حبيب الله الهاشمي الخوئي
227
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فانّ التسبيح الَّذي لا نفقهه هو التسبيح المقالي ، وأمّا التسبيح الحالي فيفقهه كلّ من له عقل ونظر . وفيه أوّلا النقض بقوله * ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه ُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه ِ وَهُمْ داخِرُونَ ) * فانّه سبحانه وبّخهم على ترك رؤية سجود ما خلق اللَّه ، ولازم ذلك أن تكون الرّؤية ممكنة وإلَّا لم يحسن التوبيخ ، والسجود المقالي غير ممكنة الرؤية إذ لا نفقهه فلا بدّ أن يكون سجودهم بالحال حتّى يمكن رؤيته ويحسن التوبيخ على تركها . وثانيا بالحلّ وأنّه لا يثبت المدّعى ، لأنّ قوله * ( لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) * كما يجوز أن يراد به التسبيح القولي ويكون عدم فهم المخاطبين له من أجل اختلاف اللغات وعدم معرفتهم بأصوات الحيوانات والجمادات وساير المخلوقات ، كذلك يجوز أن يراد به التسبيح الحالي ويكون عدم فهم المخاطبين له لأجل التشاغل والأغراض ، أي لا تعلمون تسبيح هذه الأشياء حيث لم تنظروا فيها ولم تعرفوا كيفيّة دلالتها على صانعها . ولذلك قال المفسّرون إنّ الخطاب فيها للمشركين أي لا تفقهون أيّها المشركون لاخلالكم بالنظر الصحيح الَّذي به يفقه ذلك ، وإلى هذا أشير في قوله سبحانه * ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) * . وعلى ما قلنا فيكون مفاد هذه الآية موافقا لمفاد الآية السابقة أعني قوله * ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ ) * ولمفاد ساير الآيات المتقدّمة ، فيكون المراد بالتسبيح والسجود والحمد في جميعها المعني الأعمّ مما كان بلسان المقال ، ويكون المراد بالرؤية فيها هو الرّؤية بمعني التأمّل والتدبّر في ملكوت السماوات والأرض ومعرفته دلَّهم للَّه سبحانه قولا وحالا ، هذا . ولما كان هذا المقام من مطارح الأنظار ومسارح الأفكار أحببت أن اشبع فيه الكلام بتوفيق الملك العلَّام وإعانة الأئمة الكرام عليهم السّلام .